تخطَّ إلى المحتوى

المسؤولية العشرية الصارمة في عُمان ومحدودية دفوع الإنكار

يستعرض المقال الإطار القانوني للمسؤولية العشرية في عُمان بموجب المادة 634 من قانون المعاملات المدنية والمادة 22 من قانون تنظيم مكاتب الاستشارات الهندسية، مبيّنًا ضيق مساحة الدفوع المتاحة للمقاولين والمهندسين أمام دعوى صاحب العمل.

علي الرشدي

تخضع مشاريع البناء في عُمان لإطار قانوني واضح فيما يتعلق بالعيوب الإنشائية وحالات انهيار المباني. وفي حين يوفر هذا الإطار حماية قوية لأصحاب العمل، فإنه يفرض في الوقت ذاته مسؤوليات جسيمة على المقاولين والمصممين والمهندسين المشرفين. وتُظهر الأحكام القضائية الحديثة أن هذا النوع من المسؤولية يُطبَّق بصرامة، بل يتجاوز أحيانًا مبادئ المسؤولية القائمة على الخطأ التقليدية.

الإطار القانوني

تُقرِّر المادة 634 من قانون المعاملات المدنية العُماني، إلى جانب المادة 22 من قانون تنظيم مكاتب الاستشارات الهندسية، مسؤولية تضامنية على المقاولين والمهندسين والمصممين لمدة عشر سنوات فيما يتعلق بانهيار المنشآت أو العيوب التي تهدد السلامة.

وتسري هذه المسؤولية حتى لو كان العيب مرتبطًا بظروف التربة أو عوامل متعلقة بالموقع، وبصرف النظر عمّا إذا كانت الأطراف مرتبطة بعقود منفصلة أم لا.

وتوضح المادة 22 كذلك أنه في حال اقتصر دور الاستشاري على التصميم فقط، فإن مسؤوليته تنحصر في عيوب التصميم. كما تؤكد المادة أن أي اتفاق يسعى إلى استبعاد هذه المسؤولية أو الحد منها يُعد باطلًا.

وتنشأ هذه المسؤولية بحكم القانون، وتهدف إلى حماية صاحب العمل وضمان سلامة المشروع على المدى الطويل، بصرف النظر عن كيفية توزيع المسؤوليات في الواقع العملي.

التحديات العملية وحدود دفوع الإنكار

من الناحية العملية، كثيرًا ما يصعب إنكار المسؤولية عندما تُرفع الدعوى ضد أكثر من طرف، لا سيما عند تعدد الأطراف المعنية من مقاول ومصمم ومهندس مشرف.

وفي مثل هذه الحالات، لا يسهل على أي طرف أن يدفع بأن الخطأ يقع على عاتق طرف آخر. ويتضح ذلك بجلاء عندما تتعلق العيوب بالتصميم أو بظروف الأرض. فقد يدفع المقاول بأن الأعمال نُفذت بدقة وفقًا للتصميم المعتمد، غير أن المسألة قد تظل متعلقة بالتقدير الفني أو بظروف الموقع. وعادةً ما لا يكفي هذا الدفع لمواجهة دعوى مرفوعة من صاحب العمل، إذ تسمح المحاكم لصاحب العمل بالرجوع على أي من الأطراف المسؤولة دون الحاجة إلى تحديد الجهة التي تسببت في العيب أولًا.

وبعبارة أخرى، فإن التمييز بين التصميم والإشراف والتنفيذ لا يشكل دفعًا في هذه المرحلة، وإنما تصبح له أهمية لاحقًا فيما بين الأطراف أنفسهم.

ويثير هذا الأمر تساؤلًا مهمًا: هل يمكن للمقاول أن يتجنب المسؤولية إذا كان قد نبّه صاحب العمل إلى مشكلة في التصميم، أو إذا كان العيب غير قابل للاكتشاف بصورة معقولة؟

لم نقف على أي حكم عُماني منشور يتناول هذه المسألة بصورة مباشرة. غير أن محاكم دول أخرى، مثل مصر، تتبع نهجًا أكثر تفصيلًا. فقد يُعفى المقاول من المسؤولية عن عيوب التصميم إذا كان التصميم قد قدَّمه صاحب العمل، إلا أن ذلك يخضع لشروط معينة؛ إذ يظل المقاول مسؤولًا إذا كان على علم بالعيب، أو إذا كان العيب ظاهرًا. وفي المقابل، يمكن استبعاد المسؤولية إذا نبّه المقاول صاحب العمل بوضوح وأصرّ صاحب العمل مع ذلك على المضي في التنفيذ.

الاتجاه القضائي

أكدت المحاكم العُمانية أن المسؤولية العشرية تُطبَّق عمليًا بصرامة، إذ أوضحت أن هذه المسؤولية تنشأ بمجرد ثبوت عيب يمس السلامة، دون حاجة في هذه المرحلة إلى إثبات الجهة التي تسببت في العيب.

ففي حكم صادر عن المحكمة العليا في عام 2021، دفع المقاول بأن العيب يعود إلى التصميم وظروف التربة، وأنه اقتصر على تنفيذ الرسومات المعتمدة. غير أن المحكمة رفضت هذا الدفع، وقررت أن المادة 634 تُقرر ضمانة قانونية تهدف إلى حماية سلامة المنشأ، تسري بمجرد ثبوت العيب دون الحاجة إلى تحديد مصدره في هذه المرحلة.

كما أشارت المحكمة إلى المادة 22، مؤكدةً أن اختلاف أدوار التصميم والإشراف والتنفيذ، حتى وإن تولاها أطراف منفصلة، لا يحول دون قيام المسؤولية التضامنية تجاه صاحب العمل. وفي الوقت نفسه، تُظهر أحكام أخرى أن هذه المسؤولية التضامنية لا تحسم كيفية توزيع المسؤولية فيما بين الأطراف، إذ تُعالَج هذه المسألة لاحقًا وفقًا لدور كل طرف في التسبب بالعيب.

ومن الناحية العملية، لا يكون الأمر دائمًا بهذه البساطة؛ فحيثما يخضع النزاع الأساسي للتحكيم، قد لا يكون من الممكن ضم جميع الأطراف في ذات الإجراءات، الأمر الذي قد يؤدي إلى تعدد الإجراءات المتوازية، فضلًا عن مسائل تتعلق بمدد التقادم وتوقيت دعاوى الرجوع.

لماذا تترك المسؤولية العشرية مساحة محدودة لدفوع الإنكار

يُظهر الإطار القانوني والممارسة القضائية في عُمان أن المسؤولية العشرية لا تقوم أساسًا على الخطأ، وإنما صُممت لضمان سلامة أعمال البناء واستقرارها.

ونتيجة لذلك، فإنها تحد بشكل كبير من قدرة المقاولين والمصممين والمهندسين المشرفين على إنكار المسؤولية عند مواجهة دعوى مرفوعة من صاحب العمل.

ولا يعني هذا أن الخطأ عديم الأهمية، بل إن دوره يُرجأ إلى مرحلة لاحقة، حين تُوزَّع المسؤولية بين الأطراف.

الخاتمة

يُظهر الإطار القانوني والممارسة القضائية في عُمان أن المسؤولية العشرية تهدف أساسًا إلى حماية سلامة المباني، وهو ما يفسر اتساع نطاقها ليشمل جميع أطراف المشروع. ونتيجة لذلك، تكون إمكانية التمسك بدفوع الإنكار محدودة عند مواجهة دعوى مرفوعة من صاحب العمل، لا سيما حيثما تتداخل أدوار التصميم والإشراف والتنفيذ.

ولا يلغي هذا دور الخطأ، بل ينقله إلى مرحلة لاحقة، حيث تُقيَّم المسؤولية بين الأطراف بحسب مساهمة كل منهم في وقوع العيب.

وفي الواقع العملي، فإن ذلك يعني أن إدارة المخاطر في مشاريع البناء لا ينبغي أن تعتمد على الدفوع القانونية بعد نشوء نزاع البناء، وإنما على المراجعة الفنية المبكرة، والتنسيق السليم، والتوثيق الواضح طوال مدة المشروع.

شارك LinkedIn X WhatsApp

ابدأ محادثة

كل الاستفسارات تُعامل بسرّية تامة وعناية.

اتصل بنا

+968 2409 2200

راسلنا

info@baitqanoon.com