السياق
سلّطت الاضطرابات الجيوسياسية الأخيرة في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة في المنطقة، الضوء على الأهمية البالغة لإدارة المخاطر التعاقدية بالنسبة للشركات العاملة في عُمان. ويُعد فهم الطريقة التي يفسّر بها القانون العُماني القوة القاهرة والمبادئ ذات الصلة أمرًا أساسيًا للشركات الساعية إلى حماية حقوقها التعاقدية، وإدارة الأحداث غير المتوقعة، والحفاظ على استمرارية أعمالها.
القوة القاهرة
بموجب قانون المعاملات المدنية العُماني (المرسوم السلطاني رقم 29/2013)، تشير القوة القاهرة إلى الأحداث الاستثنائية التي لا يمكن توقعها ولا تفاديها وتخرج عن إرادة الأطراف، بحيث تحول دون قيام أحد الطرفين أو كليهما بتنفيذ التزاماته التعاقدية.
وتتناول المادة 172 على وجه التحديد الحالات التي يصبح فيها التنفيذ مستحيلًا بصورة موضوعية. وفي مثل هذه الحالات، يجوز أن ينقضي الالتزام المتأثر، ويجوز فسخ العقد كليًا أو جزئيًا بحسب نطاق الاستحالة. ومن الأمثلة الشائعة على ذلك الكوارث الطبيعية، أو القيود التنظيمية المفاجئة، أو هلاك محل العقد.
ومن الجدير بالذكر أن قانون المعاملات المدنية لا يُعرّف القوة القاهرة تعريفًا حصريًا شاملًا، تاركًا للمحاكم والأطراف تحديد مدى انطباقها بناءً على الشروط التعاقدية والظروف الواقعية.
الاستحالة في مقابل الإرهاق (المشقة)
كما يميّز القانون العُماني بين:
1. استحالة التنفيذ (المادة 172): إذ لا يمكن تنفيذ الالتزام على الإطلاق، الأمر الذي قد يؤدي إلى فسخ العقد وإعفاء الطرف المتأثر من المسؤولية.
2. التنفيذ المرهق على نحو مفرط (المادة 159): إذ يظل التنفيذ ممكنًا من الناحية الفنية، لكنه يصبح مرهقًا على نحو غير معقول بسبب أحداث غير متوقعة. ويجوز للمحاكم أن تعدّل الالتزامات وفق مقتضيات العدالة لإعادة التوازن بين الطرفين، وبخاصة عندما يترتب على التمسك بالشروط الأصلية خسارة جسيمة.
ويُعد هذا التمييز بالغ الأهمية بالنسبة للشركات: فالقوة القاهرة التي تُعفي من التنفيذ تتطلب استحالة حقيقية، في حين أن الإرهاق قد يسمح بتعديل الالتزامات لكنه نادرًا ما يُعفي من المسؤولية إعفاءً كاملًا.
محكمة عُمان للاستثمار والتجارة (CIC)
يتعيّن على الجهات العاملة في نطاق اختصاص محكمة الاستثمار والتجارة (CIC) مراعاة الشروط التعاقدية الأساسية التي تحكم علاقتها، إذ إنها تؤثر في الطريقة التي تُقيَّم بها دعاوى القوة القاهرة والإرهاق. وستدقق المحاكم فيما إذا كان:
- الحدث قد حال فعليًا دون التنفيذ، أم كان بالإمكان التخفيف من أثره
- قد جرى الالتزام بمتطلبات الإخطار والإجراءات المنصوص عليها في العقد
وقد يؤدي إغفال مراعاة هذه الأحكام إلى إضعاف الدعوى، حتى وإن كان الحدث الأساسي يستوفي شروط القوة القاهرة.
اعتبارات تعاقدية
في نهاية المطاف، تتوقف إمكانية الإعفاء بموجب القانون العُماني إلى حد كبير على الشروط التعاقدية والظروف الواقعية. وينبغي للشركات:
- مراجعة بنود القوة القاهرة والإرهاق بعناية
- توثيق آثار الأحداث غير المتوقعة توثيقًا شاملًا
- النظر في تضمين العقود التزامات بالتخفيف من الأضرار، ومتطلبات للإخطار، وخيارات لتعليق التنفيذ أو إنهائه
إدارة المخاطر
ومع استمرار تطور الأوضاع الإقليمية والعالمية، يمكن للشركات اتخاذ خطوات استباقية لإدارة تعرّضها للأحداث غير المتوقعة بموجب القانون العُماني، وذلك على النحو التالي:
- التقييم المبكر: تقييم ما إذا كانت الأحداث تندرج ضمن التعريفات القانونية أو التعاقدية للقوة القاهرة أو الإرهاق.
- التوثيق: الاحتفاظ بسجلات تفصيلية للحدث وأثره على الالتزامات وجهود التخفيف منه، إذ كثيرًا ما تكون الأدلة حاسمة في حال نشوء نزاع.
- الإخطار والتخفيف: اتباع الخطوات المنصوص عليها في العقد وإثبات بذل جهود معقولة لتقليل الخسائر.
- التخطيط للسيناريوهات المحتملة: إدماج تدابير الطوارئ في العمليات وسلاسل الإمداد للحد من الاضطراب.
- الاستشارة القانونية: طلب المشورة بشأن المخاطر المعقدة أو المتطورة، مثل التغيرات التنظيمية أو عدم الاستقرار السياسي أو الكوارث الطبيعية، من أجل فهم سبل الانتصاف المتاحة والالتزامات المتعلقة بالامتثال.
ومن خلال الجمع بين الفهم القانوني والإدارة الاستراتيجية للعقود، يمكن للشركات في عُمان أن تتعامل بصورة أفضل مع الظروف الاستثنائية. ويساعد هذا النهج على حماية مصالحها والحفاظ على استمرارية أعمالها التجارية في ظل حالة عدم اليقين.
مصدّق ميرزا
📷 www.baitqanoon.com